روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
21
عرائس البيان في حقائق القرآن
ولما سبقت الاصطفائية له قبل وقوع المعاملات ، سبق منه العفو له قبل الزلّات . كان عليه السلام من عظمته في المعرفة إذا جرى عليه حكم له موقع العتاب ، خاطبه اللّه قبله بعفو وتلطف حتى لا يفني وجوده في رؤية جلاله وهيبته من حدة الحياء والاحتشام ، ولا يكون إلا لمن كان معرفته كاملة ، ألا ترى إلى قوله عليه السلام : « أنا أعرفكم باللّه وأخوفكم منه » « 1 » . قيل : إن اللّه إذا عاتب أنبياءه وأولياءه ، عاتبهم ببر قبلها ، أو بعدها ألا تراه يقول : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ . وقال الحسين بن منصور - قدّس اللّه روحه - : الأنبياء مبسوطون على مقاديرهم واختلاف مقاماتهم ، وكل يطيع حظه باستعمال الأدب بين يدي الحق ، وكل أدّب على ترك الاستعمال ، فمنهم من أنس قبل التأديب ، ومنهم من أنس بعد التأديب ، على اختلاف مقاماتهم ، فأما محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه أنس قبل التأديب ، إذ لو أنس بعد التأديب لتفطّر لقربه من الحق ، وذلك أن الحق تعالى أمره بقوله : فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [ النور : 62 ] ، ثم قال مؤدّبا له على ذلك عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لذاب ، وهذا غاية القرب . وقال تعالى حاكيا عن نوح عليه السلام : إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [ هود : 45 ] ، مؤدّبا له ، وأنسه بعد التأديب إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [ هود : 46 ] إلى قوله : إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ . ولو لم يؤنسه بعد التأديب لتفطّر ، وهذا مقام نوح عليه السلام ، وليس المفضول بمقصّر ، إذ كل منهم له رتبة من الحق ، ولي نكتة من عجيب الخطاب أن لفظ المسامحة والأنس ، جرى على فعل الماضي لا على فعل المستقبل ، وكلامه تعالى أزلي أي : عفا اللّه عنك في الأزل ، قبل وجود العمل ففرح فؤاده بعفوه السابق له ، ثم استعمل الانبساط معه بموضع الاستفهام من الأمر ، بوصف الاستئناس والبسط ، ولو قال : إن اللّه يعفو عنك ، لكان مستوحشا في موقع الخطاب ؛ لأن المرجو ليس كالمدرك . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 44 إلى 46 ] لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 )
--> ( 1 ) ذكره الحسيني في البيان والتعريف ( ص 294 ) .